الفوضي المنظمة في الشرق الأوسط
الفوضي المنظمة في الشرق الأوسط
كتب الدكتور برهان الدين محمد
تشهد منطقة الشرق الأوسط توترًا متصاعدًا يعيد إلى الأذهان سيناريوهات الحروب الكبرى، ويطرح سؤالًا جوهريًا هل نحن أمام حرب خليج رابعة محدودة النطاق، أم أن العالم يقترب من مواجهة أوسع قد تتطور إلى حرب عالمية ثالثة؟
لفهم المشهد، لا بد من قراءة المصالح المتشابكة للقوى الكبرى، وعلى رأسها روسيا، الولايات المتحدة، وإيران، إضافة إلى دور إسرائيل.
في هذا السياق، يبدو أن موسكو تنظر إلى أي تصعيد بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة باعتباره فرصة استراتيجية أكثر منه تهديدًا مباشرًا، فاستمرار التوتر، خصوصًا إذا طال مضيق هرمز، يرفع أسعار الطاقة عالميًا، ما يمنح روسيا متنفسًا اقتصاديًا مهمًا في ظل العقوبات الغربية المفروضة عليها بسبب الحرب في أوكرانيا، ارتفاع الطلب على النفط والغاز الروسيين يعيد لموسكو بعض النفوذ الذي فقدته في الأسواق الأوروبية، إلى جانب البعد الاقتصادي، هناك بعد عسكري لا يقل أهمية.
فاندلاع حرب واسعة في الشرق الأوسط سيؤدي حتمًا إلى إعادة توجيه جزء من الدعم العسكري الغربي من أوكرانيا إلى حلفاء واشنطن في المنطقة، هذا التحول قد يخفف الضغط العسكري على روسيا في الجبهة الأوكرانية، ويمنحها مساحة لإعادة ترتيب أوراقها.
مع ذلك، لا تسعى روسيا إلى انهيار النظام في إيران، فطهران تمثل شريكًا استراتيجيًا لموسكو في مواجهة النفوذ الغربي، وسقوطها قد يؤدي إلى فراغ جيوسياسي تستفيد منه الولايات المتحدة وحلفاؤها، لذلك، يمكن القول إن المصلحة الروسية تكمن في بقاء إيران قوية بما يكفي للاستمرار، لكن دون أن تتحول إلى قوة مهيمنة تخرج عن التوازنات المرغوبة.
أما الولايات المتحدة، فهي تجد نفسها أمام معادلة معقدة من جهة، تريد احتواء إيران ومنعها من توسيع نفوذها، ومن جهة أخرى، لا ترغب في الانجرار إلى حرب شاملة قد تستنزف مواردها وتشتت تركيزها عن ملفات أخرى مثل الصين وروسيا، في المقابل، ترى إسرائيل أن أي تهديد إيراني مباشر أو غير مباشر يستوجب ردًا حاسمًا، ما يجعل احتمالات التصعيد قائمة دائمًا.
الصين تريد استمرار هذه الحرب لأنها تستنزف أميركا وتشغلها عن تكريس نفوذها في منطقة المحيط الهادئ، لكنها لا تريد إغلاق مضيق هرمز لأنها أكبر مستورد للنفط والغاز من الخليج عبره، ولا مانع لديها من سقوط النظام، بشرط حصولها على ضمانات بأن النظام الجديد سيزودها بنفس كمية النفط الإيرانية وأكثر وألا يعرقل مخططها الاستراتيجي (مبادرة الحزام والطريق).
أوروبا، وبالأخص الدول الرئيسة (ألمانيا، فرنسا، بريطانيا)، لا تريد استمرار الحرب لأنها الآن بدون نفط وغاز لا من روسيا ولا من دول الخليج، لكنها تريد تغيير النظام الإيراني لأنه حليف لروسيا وهو من زودها بالطائرات المسيرة الفتاكة،وغيرها، لكنها تريد ليس شبيه بسقوط نظام صدام حسين، خوفا من تداعيات ذلك خصوصًا الهجرة غير الشرعية، وما زالت منقسمة ومترددة في الانخراط العسكري ضد إيران إلى جانب أميركا، بسبب موقف ترامب غير الجدي وغير المتوقع إلى جانب أوكرانيا وأوروبا في حربها الراهنة مع روسيا وبسبب سياسته الضريبية القاسية وغير المعهودة تجاه دول الاتحاد الأوروبي.
في ضوء هذه التفاعلات، يبدو أن السيناريو الأقرب ليس حربًا عالمية شاملة، بل صراعًا إقليميًا واسعًا قد يأخذ شكل “حرب خليج رابعة”، مع احتمال توسعها بشكل غير مباشر عبر وكلاء وأطراف متعددة ومع ذلك، يبقى خطر الانزلاق قائمًا، خاصة إذا خرجت الأمور عن السيطرة أو حدثت مواجهة مباشرة بين القوى الكبرى.
الخلاصة أن العالم لا يقف حاليًا على أعتاب حرب عالمية ثالثة بالمعنى التقليدي، لكنه يعيش مرحلة من “الفوضى المنظمة”، حيث تتقاطع المصالح وتتشابك النزاعات، ما يجعل أي شرارة صغيرة قادرة على إشعال حريق واسع. وفي قلب هذا المشهد، تظل الحسابات الاستراتيجية—لا الشعارات—هي التي تحدد مسار الأحداث.